خليل الصفدي
346
أعيان العصر وأعوان النصر
ناصر الدين سبط الشيخ عبد الظاهر بن نشوان . روى عن الشيخ جمال الدين محمد بن مالك وغيره ، وروى عنه الشيخ أثير الدين ، وعلم الدين البرزالي ، وجمال الدين إبراهيم الغانمي « 1 » ، وغيره من الطلبة . كتب المنسوب فأحسنه ، وجوّد طريقه وأتقنه ، فإذا خط غض الزهر عينه ، وطلب من العقود دينه ، وإذا نظم القريض نظرت النجوم بطرف غضيض ، وإذا نثر فضح الدرر ، ملأ الدنيا إنشاء ، وأبرزها كالنجوم زهرت عشاء ، وكثر من التصانيف ، وما ارتابت فيها العقول ، وقال فسمع الناس ما يقول . كتب الإنشاء بمصر زمانا ، ونظم قلائده على جيد الزمان عقيانا ، إلا أنه أضر بأخرة ، فعدم الناس طروسه الموشاة ، ورقاعه التي هي بالزاهر مفشاه ، ولكن فوائد نظمه ونثره تسيل ملء الحقائب ، وصوب قريحته إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب . ولم يزل على حاله ، إلى أن شافه شافعا حينه ، وحل على وجوده من العدم دينه . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في سنة ثلاثين وسبعمائة في السابع عشر من شعبان ، ودفن بالقرافة . ومولده سنة تسع وأربعين وستمائة . كان قد أصابه سهم في نوبة حمص الكبرى سنة ثمانين وستمائة في صدغه ، فعمي بعد ذلك ، ولازم منه بيته . وكان جماعة للكتب أخبرني من لفظه شهاب الدين البوتيجي الكتبي بالقاهرة ، قال : خلف ثماني عشرة خزانة كتبا نفائس أدبية ، وكانت زوجته تعرف ثمن كل كتاب ، وبقيت تبيع منها إلي ، وأخبرني البوتيجي أيضا ، قال : كان إذا لمس الكتاب وجسّه ، قال : هذا الكتاب الفلاني ، وهو لي ملكته في الوقت الفلاني ، وإذا أراد أي مجلد كان ، قام إلى خزانته ، وتناوله منها كأنه الآن وضعه بيده . اجتمعت به أنا في القاهرة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ، واستنشدني شيئا من نظمي ، فأنشدته لنفسي : ( الخفيف ) إنّ وردي من الحمام قريب * فلهذا أمست دموعي مفاضه ولكم جهد ما يكون بعيدا * ومشيبي رشاش تلك المخاضه فأنشدني من لفظه لنفسه : ( الخفيف ) قال لي من رأى صباح مشيبي * عن شمال من لمّتي ، ويمين
--> ( 1 ) جمال الدين إبراهيم الغانمي هو : إبراهيم بن يونس ، سبقت ترجمته .